ابراهيم بن عمر البقاعي
104
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
بها ما شاء من رزقه الواسع ، ثم لما توفي نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ليحميه من زهرة الحياة الدنيا فتح الفتوحات الكبار من بلاد فارس والروم ومصر وما بقي من اليمن ، فعم الفتح جميع الأقطار : الشرق والغرب والجنوب والشمال ، ومكن أصحاب نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم من كنوز جميع تلك البلاد وذخائر أولئك الملوك حتى صار الصحابة رضوان اللّه عليهم يكيلون المال كيلا ، وزاد الأمر حتى دون عمر الدواوين وفرض للناس عامة أرزاقهم حتى للرضعاء ، وكان أولا لا يفرض للمولود حتى يفطم ، فكانوا يستعجلون بالفطام فنادى مناديه : لا تعجلوا أولادكم بالفطام فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام ، وفاوت بين الناس في العطاء بحسب القرب من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والبعد منه ، وبحسب السابقة في الإسلام والهجرة ، ونزّل الناس منازلهم بحيث أرضى جميع الناس حتى قدم عليه خالد بن عرفطة فسأله عما وراءه فقال : تركتهم يسألون اللّه لك أن يزيد في عمرك من أعمارهم ، فقال عمر رضي اللّه عنه : إنما هو حقهم وأنا أسعد بأدائه إليهم ، لو كان من مال الخطاب ما أعطيتموه ، ولكن قد علمت أن فيه فضلا ، فلو أنه إذا خرج عطاء أحدهم ابتاع منه غنما ، فجعلها بسوادكم ، فإذا خرج عطاؤه ثانية ابتاع الرأس والرأسين فجعله فيها ، فإن بقي أحد من ولده كان لهم شيء قد اعتقدوه ، فإني لا أدري ما يكون بعدي ، وإني لأعم بنصيحتي كل من طوقني اللّه أمره ، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من مات غاشا لرعيته لم يرح ريح الجنة » « 1 » ، فكان فرضه لأزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم اثني عشر ألفا لكل واحدة وهي نحو ألف دينار في كل سنة ، وأعطى عائشة رضي اللّه عنها خمسة وعشرين ألفا لحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إياها ، فأبت أن تأخذ إلا ما يأخذه صواحباتها ، وروى عن برزة بنت رافع قالت : لما خرج العطاء أرسل عمر رضي اللّه عنه إلى زينب بنت جحش رضي اللّه عنها بالذي لها فلما أدخل إليها قالت : غفر اللّه لعمر ! غيري من أخواتي أقوى على قسم هذا مني ، قالوا : هذا كله لك يا أم المؤمنين ، قالت : سبحان اللّه ! واستترت منه بثوب ، ثم قالت : صبوه واطرحوا عليه ثوبا ، ثم قالت لي : ادخلي يديك واقبضي منه قبضة فاذهبي بها إلى بني فلان وبني فلان من ذوي رحمها وأيتام لها ، فقسمته حتى بقيت منه بقية تحت الثوب ، قالت برزة بنت رافع : فقلت : غفر اللّه لك يا أم المؤمنين ، واللّه لقد كان لنا في هذا المال حق ، قالت : فلكم ما تحت الثوب ، فوجدنا تحته خمسمائة وثمانين درهما ، ثم رفعت يدها إلى السماء فقالت : اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا ، فماتت - ذكر ذلك البلاذري في كتاب فتوح البلاد .
--> ( 1 ) أخرجه بألفاظ مختلفة تؤدي معنى واحد أحمد 5 / 25 و 27 مسلم 142 و 3 / 1460 واللفظ له عن معقل بن يسار رضي اللّه تعالى عنه .